أحمد بن علي القلقشندي
194
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
لما انتفعت به في مظاهرة ولا نصّر ، فدع أكثر ما فات ، ولا تعوّل على العظام الرّفات ، فما استند إليها إلَّا عار من الفضل عاطل من الحلى . على أنّك لو فاخرتنا بها لفخرناك ، وتقدّمنا وأخّرناك ، وإن كنت تستند إلى ديانتك ، وتعتمد على نسكك وأمانتك ، فهذه خالص حال لا تخلص مرتبتها ولا تتمّ فضيلتها إلا باستشعار التّواضع ، والأخذ بمكارم الأخلاق لدى التنازع ، فارجع هديتك ( 1 ) إلى الأجلّ ، واعمل بالأفضل ، وقف بحيث رتبتك ، ولا تتشوّف إلى غير درجتك ، وإن أبيت ذاك فاقطع المراسلة ، وأعفها من المواصلة ، والسّلام . رقعة عتاب على تأخر المكاتبة : من حكم الوداد - أطال اللَّه بقاء سيدي - الزيارة عند المقاربة ، والمكاتبة عند المباعدة ، وإن كانت المودّة الصريحة لا يغيّرها اجتناب ، إلَّا أنّ الكتب ألسن البعاد ، والأعين الَّتي تنظر حقائق الوداد ، ولها في القلوب تأثير ، وموقعها فيها أثير ، وحوشي مولانا أن أهزّ أريحيتّه لما يؤكَّد الثقة بإخائه ، ويشهد ب بوفائه ، ولا سيّما وهو يفرض ذلك لأحبّته ، وقوله واجب في شرع مودّته . رقعة في معناه : إن ابتدأ المملوك مولانا لم يجب ، وإن سأله الابتداء لم يوجب ، فلا حقّ لإجابة تؤدّيه ، ولا ناجز المسألة تقضيه ، فإن كان إذا شخص غابت عن فكره أشخاص أحبّته ، وإذا بعد عاملهم بتجافيه وجفوته ، فقد كان ينبغي أن يتكلَّف ويتجمّل ، ويتصنّع ويتعمّل ، فإنه لو علَّل مشوبا بالانتظار ، أو اعتذر ممرّضا بالاعتذار ، لأقمت ذلك مقام المكاتبة ، وصنته عن محض المعاتبة ، لكنّه مال مع الملال ، ورضي الاطَّراح والإهمال ، ودلّ على أنه مستقلّ بالإخوان ، متنقّل مع الزمان ، وأرجو أن تصدق المخيلة ، ويرجع إلى العادة الجميلة . رقعة معاتبة رجل كريم الأصل لئيم الفعل :
--> ( 1 ) في الأصل : « عديتك » . حاشية الطبعة الأميرية .